يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
222
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
الأمير . قال الحجاج : لئن كنت أقصرهم في المطر خطبة إنك لأطولهم بالسيف خطوة . أخذ الحجاج هذا الكلام من قول الشاعر - وقد تقدم - : إذا قصرت أسيافنا كان وصلها * خطانا إلى أعدائنا فنضارب وكان جواب أحد الرسل ؛ إذ قال له الحجاج : هل كان وراءك من غيث ؟ قال : نعم . وسمعت رجلا يقول : هلموا ظعنكم إلى محلة تطفأ فيها النيران ، وتشتكي فيها النساء ، وتتنافس فيها المعزى . قال الشعبي : فلم يدر الحجاج ما قال ، فقال : ويحك إنما تحدث أهل الشام ! فأفهمهم . قال : نعم - أصلح اللّه الأمير - أخصب الناس ، وكان التمر والزبد والسمن واللبن ، فلا توقد نار يختبز فيها . وأما تنافس المعزى : فإنها ترى من أنوار الشجر وأنواع التمر وأنوار النبات ما يشبع بطونها ولا يشبع عيونها . كذا رأيت ، ولم يذكر تفسير : تشتكي النساء ، ولعله أراد أن النساء يكثر تعبهن لكثرة الحلب ، وسلي السمن ، واستخراج الزبد ، فيشتكين ذلك العمل والتعب . وقد يفسر هذا على معنى آخر إذا وصف العام بالجدب . وقال ثابت : بعث قوم رائدا لهم ، فلما رجع قالوا له : ما وراءك ؟ قال : رأيت عشبا يشبع فيه الجمل البروك ، وتشكت منه النساء ، وهم الرجل بأخيه . قال ابن الأعرابي يقول : العشب قصير لا يناله الجمل من قصره حتى يبرك . وقوله : وتشكت منه النساء ، يقول : من قلّته ، إنما تحلب الغنم في شكوة ، والشكوة : مسك السخلة ما رضع ، فإذا فطم - وإفطامه أن يدع الرضاع - فمسكه يقال له البدرة ، فإذا أجذع فجلده سقاء ؛ وقد تقدم هذا . يقال : سخلة ذكر ، وسخلة أنثى ، وشكوة ، وثلاث شكوات ، وهي : الشكاء . وقال غير ابن الأعرابي : همّ الرجل بأخيه ، أي : همّ به أن يدعوه إلى منزله ، كما كانوا يفعلون في الخصب . ويقال غير هذا : إن الخصب يدعو إلى غزو الجيران ، وإلى أن يأكل القوي الضعيف ، كما قال الشاعر : قوم إذا نبت الربيع لهم * نبتت عداوتهم مع البقل وقال الآخر : صديق كلما كنتم بشرّ * وأعداء إذا كنتم بخير وكذلك قيل في تفسير تنافس المعزى معنى آخر : قيل لأعرابي ما وراءك ؟ قال : خلفت أرضا تظالم معزاها . يقال : سمنت ، وأشرت ، فتظالمت . قلت : انظر الحجاج على فصاحته التي يضرب بها المثل لم يفهم قول أحد الرسل . يقال في مثل : أفصح من الحجاج . وكتب إليّ الخطيب أبو محمد رحمه اللّه في جواب كتاب كتبت به إليه : وافى كتابك يا أبا الحجاج * تبدو عليه فصاحة الحجاج